بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة – 3 أيار

‎قال سعادة السفير أحمد راشد خطابي، الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال في جامعة الدول العربية، كلمة مهمة بمناسبة هذا اليوم.

‎تحدث عن بيئة إعلامية تعددية ومستقلة وموثوقة. عن حماية الحقوق والحريات. عن محاربة العنف والكراهية.

‎وقال إن العالم يحتفل هذا العام تحت شعار "بناء عالم يسوده السلام"، في ظل حروب مدمرة وأرواح تزهق، بينهم صحفيون يدفعون الثمن لنقل الحقيقة.

‎وذكر أيضاً أن وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، رغم فوائدها، تنشر هواجس حقيقية من عنف إلكتروني ومحتويات زائفة. كل هذا صحيح. وكله مهم.

‎لكن دعني أسألك سؤالاً مختلفاً:

‎هل الأهم أن تكون الصحافة حرة، أم أن تكون صادقة؟

‎الحرية وحدها، دون صدق، قد تصبح فوضى. والصدق وحده، دون حرية، يظل حبيساً.

‎لكن إذا اضطررنا للاختيار:

‎حرية بلا مصداقية، أم مصداقية بلا حرية؟ القصة لا تبدأ عند التصريح، بل قبله

‎كثيراً ما نرى صحفياً يجلس مع مسؤول، أو خبير، أو ناشط. يُدلي الضيف بتصريح. الصحفي يكتبه. ينشره. ينتهي الأمر.

‎لكن هل سأل الصحفي نفسه:

‎· هل هذا التصريح منطقي؟

‎· هل يدعمه دليل؟

‎· هل يتوافق مع حقائق مثبتة؟

‎· هل المتحدث يخدم مصلحة شخصية؟

‎ليس من العيب أن يثق الصحفي بمصادره. العيب أن لا يعود إلى الأدلة.

‎المصداقية ليست كمالية، هي جوهرية . الصحافة ليست مجرد نقل.

‎الصحافة هي: تحقق، تثبت، توازن، ثم تنقل.

‎الجريدة التي تنشر خبراً دون التحقق منه، تفقد ثقة جمهورها.

‎والقناة التي تكرر تصريحات متناقضة دون نقد، تصبح أداة بيد أصحاب المصالح.

‎الصحفي ليس بريداً إلكترونياً.

‎الصحفي هو حارس البوابة.

‎كيف تكتسب الصحافة مصداقيتها؟

‎· بأن تفرق بين الخبر والرأي.

‎    الخبر يروي، الرأي يعلّق. ولا يصح أن يختلطا.

‎· بأن تسأل: من المستفيد؟

‎    كل تصريح له خلفية. كل معلومة قد يكون لها أجندة.

‎· بأن تعود إلى المصادر الأولية.

‎    لا تكتفِ بما قاله فلان. اذهب إلى الوثيقة، إلى الرقم، إلى الشاهد، إلى السياق.

‎· بأن تنشر التصحيح حين تخطئ.

‎    الصدق ليس في عدم الخطأ، بل في الاعتراف به.

‎التكنولوجيا سلاح ذو حدين

‎اليوم، الذكاء الاصطناعي يكتب الأخبار. المنصات الرقمية تنشر المحتوى بسرعة البرق.

‎وكل هذا يهدد المصداقية أكثر مما يهدد الحرية.

‎لأن الحرية تحتاج إلى صحفي واعٍ.

‎أما الفوضى، فتحتاج فقط إلى زر "نشر".

‎وهنا يأتي دور التربية الإعلامية التي تحدث عنها السفير خطابي.

‎تربية تعلّم الجمهور كيف يميز، وكيف يشك، وكيف يتحقق، قبل أن يصدق.

‎الخلاصة:

‎حرية الصحافة ليست غاية في حد ذاتها. الغاية هي حقيقة تنير الطريق. صحافة بلا مصداقية: كبوصلة بلا إبرة.

‎ومصداقية بلا حرية: كضوء في زنزانة.

‎المطلوب صحافة:

‎حرة، مسؤولة، شجاعة، ناقدة، وقادرة على قول "لا" لمن يريد توظيفها.

‎والمطلوب صحفي:

‎لا يكتب ما يقال له، بل ما يثبت له. ولا يكرر الأجندات، بل يكشفها.

‎كلمة أخيرة:

‎ولو متأخر ... في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نحتفي فقط بالحرية. نحتفي بالصحفي الذي ينام وفي رأسه سؤال واحد:

‎هل قلت الحقيقة اليوم؟

‎لأن الحقيقة وحدها هي التي تصنع السلام.

‎والأخبار الزائفة لا تبني عالماً يسوده السلام، بل تهدمه
 

‎لينا حمود

‎مكتبة نوبلز الإلكترونية – ركن النبلاء

‎حيث تلتقي الكلمة بالمسؤولية